قصص كليلة ودمنة المعاصرة (1)

Publié le par yaya-op-ns

أباطرة الجنون في مهرجان العبقرية
( فصلٌ من كليلة و دمنة لم يترجمه ابن المقفع )

... قال كليلة ـــ وهو يسري عن دمنة ويحمِّضه (1) ويدخل الابرنشاق (2) في نفسه ، وكان دمنة قد داخله ملل صارخ وداهمته كآبة عارمة وظهر منه التذمر والتأفف ولقيت نفسه من ثقله وتبرمه وإلحافه ضيقاً شديداً وعنتاً مقيتاً ـــ :

واعلم يا دمنة أن النفس إذا أُخذت بالجد ، وسيقت إلى العمل ، وأُرغمت على النسك ... لقِسَتْ وخبثت ، وجفاها صاحبها وتقيأها ، إلا إذا سبقه إليها داعي الاستجمام ، وأنقذها منه قول الأول : ( أجموا النفوس بشيء من الباطل لتستعينوا به على الحق ) . لكن أغلب النفوس لا تستجيب لهذا الداعي ولا تنقاد لمعنى الأثر ؛ لاتباعها أهواء أصحابها وانسياقها خلف ما يتملاها أربابها من جهات تتصرف فيهم كيف شاءت وتوجههم أنى أرادت ، فتندُّ عقول أصحابها وتخلي أماكنها من الأدمغة للأخلاط الثورية الملطفة تلطيفاً إنسانياً ، فيتعقد الوضع ويتأزم الأمر ، ويختلط الحابل بالنابل ، ويهيج مهرجان العبقرية ..

ولو كان الجادون نالوا وسام هذا اللقب والمفردون سبقوا إلى هذا الإطلاق ، والمجُّلون حازوا هذه السمة بقتل أوقاتهم جدية ، وكبح جماح طبائعهم ، وكف ضرورات فطرهم لحق لكل من سلك فجاجهم فتعثر ، وأمّ سننهم فتقهقر أن يحتج ويعتذر بملائكيَّتهم وبَشريَّته وبسمائيَّتهم وأرضيَّته ، وبخياليتهم وحقيقيَّته ، والذين تربعوا على قلل النجاح وتعرشوا عروش المنح وتقلدوا رتب التميز لم ينالوا تلك بفرط الجد مطلقاً ؛ لكن بخفة الطبع أثقلتها العزيمة وحريةِ الفطرة قيدها الإصرار .

قال كليلة : وبالتجربة حمد أباطرة الجنون هذه النظرية وهتفوا رضىً عنها : هِيَ .. هِيَ ..

قال دمنة : وكيف كان ذلك ؟

قال كليلة : زعموا أن رهطاً من الناس ألفتهم العبقرية وعقد بينهم النبوغ صحبة ومودة فانقطعوا عن المحيط ، وتغربوا عن الحدود وأخذوا على أنفسهم العهد بالانجحار في نافقاء (3) الجد ، وأسلموا قيادهم لداعي الكبت والعزيمة ، وتعاقب عليهم الليل والنهار خمساً وثلاثين مرة وهم على العهد الذي قطعوه ، والقيد الذي وضعوه ، وكلما طرفت لهم عين لهوٍ كحلوها برماد الإعراض ، وكلما ومض لهم برق ترويح تشاءموا بذلك الإيماض حتى أنكرتهم عقولهم وعافتهم طبائعهم وناءت بهم نفوسهم فصاح نذير الحرب بين حلومهم ولحومهم وأعلن أعلاهم الثورة على أسفلهم ، وبدأت الأخلاط الثورية الملطفة تلطيفاً إنسانياً تعمل أعمالها المتممة لفصول الاستعمار في أدمغتهم ، ورغا (4) قرد هناك ، وثغا (5) قط هنا ، وخار (6) دب هنالك ، واختلط كشيش (7) بنات الليل بزئير بنات آوى ، بنميم (8) بنات عم مالك الحزين ، وكركر السناجب ، ونطنط أطفال الجرابيع ، وهاج مهرجان العبقرية ..

قال دمنة : وما مهرجان العبقرية ؟

قال كليلة : زعموا أن ملوكاً أربعة كانوا على أكبر ممالك الدنيا الخالية من القُطَّان ، اجتمعوا على أن يبرموا صلحاً بينهم ويتحدوا على لقب يكون فيهم قاسماً مشتركاً أعظم ، يضمهم ولا ينثرهم ، وبينما هم يتفاوضون ويديرون الآراء ، إذ احتدم الجدال بينهم ، وضرب الدهر ضربته ، فاستحال جدهم هزلاً ، وعاد حلمهم سفهاً، ورجعت حكمتهم طيشاً ، وانكفأت واعياتهم وفيها عقولهم ، فحل فيهم منطق الحيوان الملطف تلطيفاً إنسانياً ، واتفق أن مر بهم موكب المهرجان وكان لم يسم بعدُ بهذه التسمية ، فرآهم النظارة وهم مستغرقون في حالتهم الحاضرة ، فأغراهم وضعهم ، فنصَّبوهم أباطرة عليهم بعد أن سمّوا المهرجان الإمبراطورية ، فلما ثبتت لهم دعائم الملك ، واستقرت لهم السلطة قفز أشدهم جدية وهو جامعهم وتمرغ في التراب ، ثم استوى ورفع عقيرته : أيها الشعب العبقري يعلن كبير الأباطرة باسمه واسمهم واسمكم جميعاً عن قيام مهرجان العبقرية . فتعالى الهتاف ، وترامت العمائم والعصي وثار القتام ، وتلبد الأفق ، ثم تابع الإمبراطور الأعظم خطبته : هذا من جهة ، ومن جهة .. يعلن شاه الشياه باسمكم واسمهم واسمه وحده التلقيب بأباطرة الجنون . فاهتز المهرجان وثار وزمجر التنور وفار ، وماج العباقرة ، وتغطلمطلست الإمبراطورية وكان من النظارة هائج لمسته يد الحكمة فهدأ وتكوم ، واجتمع على نفسه وتقرفص ، لكن الوجود من حوله مائج فتوسط الميدان ، وخاض المعمعة ، معلناً اعتزاله للفتنة لما رأى الأركان والنواحي مشغولة بالاضطراب العنيف .

قال كليلة : وهكذا تكوم الكل واجتمع على نفسه وتقرفص واعتزل الفتنة وتوسط الميدان وركد المهرجان وتعذرت السيطرة على الأركان الأربعة .

قال دمنة : وأين أباطرة الجنون ؟

قال كليلة : زعموا أن دمنة سأل عن الأباطرة فأجابه كليلة بتعذر السيطرة على الأركان الأربعة .

قال الراوي الفيلسوف : فضحك دمنة حتى بدت لهاتُه ، ثم رجع إلى نفسه وقال : إن من الجد لسقماً ، وإن من الجنون لحكمة .
Publicité
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article